أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
154
نثر الدر في المحاضرات
وكتب إلى صديق له تولى ناحية : أما بعد ؛ فإنّي لا أعظك بموعظة اللّه ؛ لأنك غنيّ عنها ، ولا أرغّبك في الآخرة ؛ لمعرفتي بزهدك فيها . ولكني أقول كما قال الشاعر « 1 » : [ الطويل ] أحار بن عمر قد وليت ولاية * فكن جرذا فيها تخون وتسرق وكاثر تميما بالغنى ، إنّ للغنى * لسانا به المرء الهيوبة ينطق واعلم أنّ الخيانة فطنة ، والأمانة خرق ، والجمع كيس ، والمنع صرامة ، وليست كلّ يوم ولاية ، فاذكر أيام العطلة ، ولا تحقرنّ صغيرا ، فمن الذّود إلى الذّود إبل ، والولاية رقدة ، فتنبّه قبل أن تنبّه ، وأخو السلطان أعمى ، عن قليل سوف يبصر . وما هذه الوصية التي أوصى بها يعقوب بنيه ، ولكني رأيت الحزم أخذ العاجل ، وترك الآجل . وكتب إلى عيسى بن فرخانشاه : أصبحت منك بين أمرين عجيبين ، إن غبت عنا - ولا يغيّبنّك اللّه - لزمنا الخوف ، واستخفّ بنا النّاس ، ولاحظونا بالوعيد ، وسدّوا علينا أبواب المنافع ؛ فإذا ظهرت ففقر حاضر ، وأمل كاذب ، وحرمان شامل ، كنت أسألك كذا فاستكثرته ، وما ظننتك تستكثر . هذا الولي مؤمل بي إليك ، فكيف لولدك الذي غذّي بنعمتك وتخرّج في دواوينك ، فو اللّه ما كان أمل سواك ، ولا خطر من مكاره الدنيا شيء فأخطرتك بقلبي إلّا هان وخفّ عندي . وكتب إلى بعضهم : نحن أعزّ اللّه الأمير إذا سألنا الناس كفّ الأذى سألناك بذل الندى ، وإذا سألناهم العدل ، سألناك الفضل ، وإذا سررناهم ببسط العذر سررناك باستدعاء البرّ .
--> ( 1 ) البيت الأول لأنس بن زنيم في ديوانه ص 114 ، ولسان العرب ( سرق ) ، والمقاصد النحوية 4 / 296 ، وله أو لأنس بن أبي أنيس في الدرر 3 / 54 ، ولأبي الأسود الدؤلي في ديوانه ص 177 ، والعقد الفريد 3 / 60 ، ولأنس بن أبي أنيس أو لابن أبي إياس الديلي ، أو لأبي الأسود الدؤلي في أمالي المرتضى 1 / 384 ، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر 6 / 44 ، وشرح الأشموني 2 / 469 ، وهمع الهوامع 1 / 183 .